ميرزا محمد حسن الآشتياني

57

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

بعد تكميل الدين مفروض فلا تعلق لهذه المقالة بباب البراءة أصلا نعم لو أريد استكشاف الإباحة الواقعيّة وعدم التحريم النفس الأمري للفعل من جهة ثبوت الملازمة في حكم العقل بين ثبوت التحريم وبيانه بقاعدة اللطف كما هو ظاهر استدلالهم في مسألة الحظر والإباحة كان الجواب المذكور مستقيما مع فرض عدم العلم بتكميل الدين لكنّه لا تعلّق له بباب البراءة أصلا سيّما بالشبهة الموضوعيّة على ما عرفت [ في الجواب عن السؤال الأول بوجوه متعدّدة ] فإن شئت قلت إنّ الجواب عن السؤال الأول من وجوه أحدها أن وجود احتمال المصلحة في ترك البيان وعدمه لا تعلّق له بالمقام أصلا فإن الكلام في الشبهة الموضوعيّة والمفروض وجود البيان التّام من الشارع ووصوله إلى المكلفين ووقوع الاشتباه في بعض الجزئيّات من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة لا يجب على الشارع رفعه إذ ليس من شأنه من حيث إنه شارع إزالة الشبهة عن الموضوعات الخارجيّة كما هو واضح ( ثانيها ) أن المفروض في الشبهات الحكميّة بعد فرض تكميل الدين أيضا بيان أحكام جميع الموضوعات ووصولها إلى نوع المكلفين وإن لم يصل إلى جميع أشخاصهم من جهة المقصّرين فلا يحتمل ترك البيان في الشبهات الحكميّة أيضا حتى نتكلّم فيه أنه لمصلحة أو لا لمصلحة فقضيّة احتمال المصلحة في ترك البيان أجنبيّة عن المقامين وإنّما تفيد على تقدير الإغماض عمّا سيجيء في أوائل البعثة ( ثالثها ) أنّ تجويز العقل المصلحة في ترك البيان بالنسبة إلى جملة من الأحكام من حيث كون بناء الشارع على تبليغ الأحكام على الوجه المتعارف وعلى حسب اقتضاء المصالح الموجبة لبيانها إنّما يرفع قبح ترك البيان من الشارع من حيث كونه لطفا ومقصودا من الخلقة ولا يوجب حسن المؤاخذة والعقاب والحال هذه ضرورة استقلال العقل في الحكم بالقبح مع عدم وصول البيان التامّ إلى المكلفين أو عدم توجيهه إليهم وإن وصل إليهم كما هو المفروض في المقام على ما عرفت وإن قطع بترك بيان الشارع لحكم الواقعة لمصلحة من المصالح فضلا عما لم يقطع بذلك واحتمل البيان مع عدم وصوله إلى المكلّفين فتدبّر ( رابعها ) أنه على تقدير الإغماض عما ذكر يوجب وقوف العقل عن حكمه بقبح العقاب والبراءة في المقام ولا يمنع من الحكم بالبراءة الشرعيّة من جهة أخبارها فيحكم لأجلها بالبراءة وعدم الضرر الأخروي فتأمل هذا ولعلّ اقتصار شيخنا قدس سره في الجواب على الوجه الأخير إنما هو لوضوح الأجوبة الثلاثة هذا ملخّص الجواب عن السؤال الأوّل وأما الضّرر الدنيوي فقد أجاب بمنع قيام الدليل الشرعي على وجوب دفع مشكوكه حيث إن الآية الشريفة لا يظهر منها حكم المشكوك ومن هنا ذهب المشهور في باب الصّوم والتيمّم من جهة ما زعمه من دلالة الأخبار عليه من حيث لحوق الحكم بالخوف بمقتضاها فيصدق مع الشكّ أيضا والثمرة بين القولين مضافا إلى ما ذكر ظاهرة هذا والذي أظنّ أن حكم المشهور بذلك إنما هو من حيث حكمهم بحجيّة الظنّ في باب الضرر الدنيوي لا من حيث دلالة الآية عليه من حيث الموضوعية أو الطريقية في زعمهم وإن استند بعضهم إليها فراجع [ في إلزام العقل بدفع الضّرر المشكوك فيه ] ( قوله ) قدس سره ولكنّ الإنصاف إلزام العقل إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) قد أسمعناك شرح الكلام فيما يتعلّق بالآية الشريفة في الجزء الأول من التعليقة كما أسمعناك شرح القول فيما يتعلّق بمسألة الضرر ثمّة وذكرنا هناك ما حاصله أنه وإن لم يكن فرق في حكم العقل في الضرر الدنيوي الغير المتدارك فيما يحكم العقل بلزوم دفعه بين مراتبه فما يحكم في مقطوعه بلزوم الدفع يحكم به في مظنونه ومشكوكه لكنّه فيما تعلّق الظن والشكّ ابتداء بالضرر لا من جهة الظن بالحرمة أو الوجوب أو الشكّ فيهما بناء على تبعيّة الأحكام عند العدليّة للمصالح والمفاسد إذ ربما يكون هناك عنوان منطبق على الفعل يمنع من ترتب الضرر عليه وما دلّ على إلغاء الظنّ في الشرعيّات سيّما في الموضوعات الخارجيّة وعلى الرجوع إلى الأصول العمليّة مطلقا في الشبهات الحكمية والموضوعيّة يثبت تدارك المفسدة على تقدير ثبوتها نعم فيما تعلّق الظنّ ابتداء بالضرر الدنيوي كان ظاهرهم الاتفاق على اعتباره ويقتضيه شبه دليل الانسداد أيضا عند شيخنا قدس سره كما عرفته في الجزء الأوّل من الكتاب لكنّه لا تعلّق له بالظنّ بالمفسدة المتولد عن الظنّ بالحكم الإلزامي في الواقعة الكلّيّة والجزئيّة هذا ولكن قد يناقش فيما أفاده مضافا إلى ما عرفت الإشارة إليه من منع حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي بقول مطلق وبجميع مراتبه حتى ما يستكشف من احتمال الحرمة المعلومة للمفسدة على ما ذهب إليه العدلية وما لا يرجع إلى هلاك النفس ونحوه في المرتبة بأنه على تقدير تسليم استقلال العقل في الحكم بالوجوب يكون حكم العقل من حيث كون الشكّ في الضرر موضوعا في حكمه فيكون الإقدام معه بملاحظة قاعدة التلازم حراما شرعيّا واقعيّا لا ظاهريّا فلا معنى للحكم بالبراءة في مورده حتى يستكشف من تدارك الضرر بما يرجع إلى الدنيا أو الآخرة حيث إن عدم العلم بالحكم والجهل فيه مأخوذ فيه وإن كان هذا الحكم العقلي كحكمه عند القطع بالضرر الدنيوي أو الظنّ به لا يمنع من ترخيص الشارع لارتكابه من حيث كشفه عن عنوان منطبق على المضرّ مزاحم عن تأثيره فإن الضرر في حكم العقل ليس علّة تامّة لحكمه كالظلم والكفر بالله والإيمان به مثلا وإنما هو مقتض لذلك كالكذب والصّدق ونحوهما فيرجع إلى العنوان التقييدي أي الضرر الذي لم يعلم انطباق النفع عليه إلا أن دليل الترخيص لا بد أن يكون تنجيزيّا غير معلّق على عدم العلم بالحكم وإلا فلا يكون مفيدا في ردع العقل عن حكمه في مورد الشكّ كما لا يكون مفيدا في مورد الظن بالضّرر وهذا بخلاف الضّرر الأخروي فإن حكم العقل بوجوب دفعه حتى في المعلوم منه لا يمكن أن يكون كاشفا عن حكم شرعيّ في عنوان الضرر فيكون ترخيص الشارع